“العنصرية” الوجه القبيح لكرة القدم

العنصرية كلمة للأسف قد يعتبرها البعض لفظا عابرا ولا يدري إن من أجلها قامت حروب ونزاعات والبعض منه مستمر حتى الآن… ويراها البعض الأخر وسيلة جيدة للتعبير عن مشاكل العرق والدين، ورغم التأكيدات المستمرة علي انتهاء تلك العصور  والمحاولات المستمرة للتغلب علي مشاكلها إلا إنها تظهر دائما بين الحين والأخر كأنها نار خامدة تحتاج من ينفخ في رمادها أو متقوقعة في المياه الراكدة تنتظر من يلقى بالحجر.

إن منشأ الصراع العنصري بأشكاله المتعددة له دوافعه وآثاره وقد تقف وراءه مجموعات متطرفة لا تؤمن بمبادئ التعايش ولا تتخذ في حياتها سلوك الاعتدال، إن مثل هذه الأفكار المتطرفة كثيراً ماتقود الى حروب ودمار.. وبدلاً عن التقارب والاندماج في المفهوم الواسع للإنسانية فإنها تتخذ لها أوكاراً وملاجئ تخرج منها على الناس بكل ما تحمل من حقد وكراهية تجاه بني الإنسان، ونحن نعتقد بأن ذلك يعود إما إلى الجهل والغرور أو عدم القدرة على استيعاب المعاني الجميلة للحياة.

ولم تكتف العنصرية بالنزاعات والحروب التي خلفتها ومازالت أصداءها دائرة، فحلت علينا هذه المرة بشكل جديد من خلال التغلغل داخل نسيج المجتمعات وأحداث الفرقة بينها وذلك من خلال الصعيد الرياضي المليء بالمنافسات المستمرة والعصبية للفوز والهزيمة، فقد ظهرت العنصرية سابقا بشكل ضيق في الساحة الرياضية إلا إنها تزداد يوما تلو الأخر وتوحشت بشكل مخيف علي مختلف الأصعدة في الملاعب الرياضية التي باتت مسرحا خصبا لمثل هذه الأفعال، بعدما تفرغت الجماهير للسلوك العنصري وتخلت عن كل مبادئ الإنسانية ضد اللاعبين السود لإحباطهم والحد من معنوياتهم داخل الملعب، فبدلا من تشجيع فريقها لحثه على الفوز وبذله قصاري جهده لتحقيق الفوز اتجهت إلى توجيه السب والقذف إلى لاعبي الفريق الآخر وتركت فريقها بلا تشجيع في ظاهرة جديدة تؤكد علي ضياع الروح الرياضية وشرف المنافسة .

واقتحمت العنصرية الملاعب الكروية بشدة في الآونة الأخيرة فكثيرا ما يجرى استقبال اللاعبين السود بصيحات شبيهة بأصوات القرود وإهانات عندما يلمسون الكرة، واللاعبون بالطبع غير قادرين علي فعل شيء وهم على أرض الملعب سوي الأداء بشكل أحسن لتحقيق الفوز مما يزيد الانتهاكات لدرجة تجعل بعض اللاعبين يخرجون عن تركيزهم وشعورهم داخل الملعب والرد على هؤلاء الجماهير والدخول معهم في مشاحنات.

كما حدث في العاشر من فبراير 2018، حينما تعرض النجم الإيطالي ماريو بالوتيلي لهتافات عنصرية اثناء مشاركته مع فريقه نيس ضد فريق ديجون في مباراة بالدوري الفرنسي، وكانت تلك الحادثة قد أثارت جدلا كبيرا في فرنسا بعدما قرر الحكم منح بالوتيلي بطاقة صفراء، بعد قدوم اللاعب إلى الحكم لإبلاغه بواقعة العنصرية،  ودفعت الحادثة المجلس الممثل لجمعيات المواطنين السود في فرنسا لرفع دعوى قضائية ضد الحكم، وقد اصدر نادي نيس بيانا اعلن من خلاله كامل التضامن مع لاعبه، وقد علق بالوتيلي على هذا الأمر  قائلا ” أن الأشخاص العنصريون هم أقلية، لكنك لا تستطيع فعل شيء معهم، تستطيع أن تقول ما تريد، أن تفعل ما تريد لكنك لا تستطيع تغييرهم لأنهم ببساطة أناس أغبياء”، للأسف الشديد لم يسلم اللاعب الغاني الأصل والإيطالي المولد والجنسية من المضايقات العنصرية طوال سنين حياته المضايقات المزعجة هذه، بالإضافة إلى الفقر المدقع ومرض الأمعاء اللذين لازماه منذ الطفولة، جعلت منه شخصاً غريب الأطوار لا يثق بأحد، ويطلق التصريحات النارية يمنةً ويساراً.

لا ينسى أيضا عشاق كرة القدم حادثة العنصرية التي تعرض لها النجم الإفريقي صامويل ايتو، عندما كان في صفوف برشلونة الإسباني، فحينما كان ينتظر ايتو تنفيذ الكرة، بدأت جماهير نادي ريال سرقسطة تصيح بعبارات عنصرية، فانفجر اللاعب غضباً وحاول مرار وتكرار مغادرة الملعب، ولكن حكم اللقاء وزملاءه في الملعب أقنعوه بالعودة مرة ثانية بالعودة  إلى اللقاء ومتابعته، وعن العنصرية كان قد قال ايتو” كنت قد منعت أولادي من الذهاب للملعب، ومشاهدة المباريات من هناك، كل ذلك لكي لا يمكن لهم سماع صوت الجماهير تهتف ضد والدهم بسبب أنه أسود، أو بسبب إطلاقهم أصوات القردة ورمي الموز”.

واعتقد البعض أن الهتافات العنصرية أمر سيستهوي المشجعين لفترة قصيرة وينتهي مثل أي حادث ، إلا أن الأيام أثبتت أن الظاهرة أصبحت منتشرة على نطاق أكثر اتساعا وقسوة، لدرجة أن الحاجة أصبحت ملحة لاستئصال العنصرية من الرياضة، وأن الوضع يحتاج لأكثر من مجرد فرض عقوبات رسمية كما يفعل الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا” وبعض الاتحادات والأندية

عاد الوجه القبيح للعنصرية يطل على ملاعب كرة القدم من جديد في الفترة السابقة، والضحية هذه المرة هو المدافع السنغالي كاليدو كوليبالي نجم فريق نابولي الإيطالي والذي تعرض للإهانة وهتافات عنصرية خلال مباراة فريقه ضد انتر ميلان بالدوري الإيطالي، والتي انتهت بفوز الأخير بهدف دون رد.

شهدت ملاعب كرة القدم حول العالم الكثير والكثير من الوقائع المشابهة لما تعرض له “كوليبالي” من إهانات عنصرية، وغالبًا ما يكون ذلك تجاه اللاعبين أصحاب “البشرة السوداء” ” أو اللاعبين العرب والمسلمين في ملاعب أوروبا.

الواقعة الأخيرة كانت صادمة بكل المقاييس بعد سخرية بعض من جماهير فريق ساوثهامبتون، من موت اللاعب الأرجنتيني إيمليانو سالا المنضم إلى صفوف كارديف سيتي مؤخرًا، خلال مباراة الفريقين في بطولة الدوري الإنجليزي، فقد التقطت عدسات الكاميرات ثنائي مشجعو نادي ساوثهامبتون يسخران من وفاة سالا عن طريق الإشارة بطائرة خلال مباراة الفريق أمام كارديف سيتي التي جمعتهما في تلك الفترة، الأمر الذي آثار استهجان الجميع لقدرة البعض عن التجرد من أبسط أنواع الإنسانية.

هذا الأمر  دفع الفيفا حاليا إلى بذل جهود مكثفة في سبيل منع تلك الهتافات والتعليقات العنصرية خلال المباريات واتخاذ إجراءات بحق من يرتكبون التصرفات العنصرية من الجمهور، إلا إن الفيفا لن تستطع بمفردها التصدي لهذه الظاهرة الخطيرة لذلك يمكن أن تتخذ الأندية إجراء حيال ذلك في بعض الأحيان، كما يحتاج الأمر إلى الصحفيين واللاعبين الذين يمكنهم أن يبعثوا أقوى الرسائل المناهضة للعنصرية .



× مرحبًا، راسلنا واتساب الآن